المسعودي
355
مروج الذهب ومعادن الجوهر
الموسيقي : وكان من شريف ما تركته المعرفة بعلم الموسيقي ، لأنه غذاء للنفس ، ومطرب لها ، وملهبها ، تبتهج عند سماعه ، وتحنُّ إلى تأليف أوضاعه ، وقد نطقت الحكماء بشرفه ، ونبهت على نفاسة محله ، فقال الإسكندر : من فهم الألحان استغنى عن سائر اللذات ، وقد قالت الفلاسفة : إن النغم والأغاني فضيلة شريفة كانت تعذرت ( 1 ) عن المنطق ليست في قدرته ، فلم يقدر على إخراجها ، فأخرجتها النفس ألحاناً ، فلما أظهرتها سُرَّتْ بها وعشقتها وطربت إليها ، ورتبت الحكماء الأوتار الأربعة بإزاء الطبائع الأربع ، فجعلوا الزير بإزاء المرة الصفراء ، والمثنى بإزاء الدم ، والمثلث بإزاء البلغم ، والبمَّ بإزاء المِرَّة السوداء ، وقد أشبعنا القول في الموسيقى وأصحاب الملاهي والإيقاع وأصناف الرقص والطرب والنغم ونسب النغم وما استعملته كل أمة من الأمم ، من أصناف الملاهي ، من اليونانيين والروم والسريانيين والنبط والسند والهند والفرس وغيرهم من الأمم ، وذكرنا مناسبة النغم للأوتار ، وممازجة النفس والألحان ، وكيفية تولد الطرب وأنواع السرور ( 2 ) وذهاب الغم وزوال الحزن ، وعلل ذلك الطبيعية والنفسية ، وما أحاط بذلك من جميع الوجوه ، في كتابنا المترجم بكتاب » الزلف « وأتينا على ظريف أخبارهم وأنواع لهوهم وملاهيهم في كتاب » أخبار الزمان « وفي الكتاب الأوسط ، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا ، إذ هذا الكتاب في غاية الإيجاز ، وإن سنح لنا سانح ذكرنا لمعاً من هذه الجوامع فيما يرد من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ، وإن تعذر ذلك فقد قدمنا التنبيه على ما سلف من كتبنا ، على الشرح والإيضاح .
--> ( 1 ) في بعض النسخ « كانت تغيب عن المنطق » . ( 2 ) في بعض النسخ : وإيقاع السرور .